ابراهيم بن عمر البقاعي
206
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المشبه به وهو كمن أبصر الأمور على حقائقها فاتبع الحسن واجتنب السئ ، لأن المقام يهدي إليه ، وتعجيلا بكشف ما أشكل على السامع من السبب الحامل على رؤية القبيح ، مليحا بقوله مؤكدا ردا على من ينسب إلى غير اللّه فعلا من خير أو شر : فَإِنَّ أي السبب في رؤية الأشياء على غير ما هي عليه إن اللَّهَ أي الذي له الأمر كله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ فلا يرى شيئا على ما هو به ، فيقدم على الهلاك البين وهو يراه عين النجاة وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فلا يشكل عليه أمر ولا يفعل إلا حسنا . ولما كان المحب من يرضى بفعل حبيبه ، سبب عن ذلك النهي لأكمل خلقه عن الغم بسبب ضلالهم في قوله : فَلا والأحسن أن يقدر المشبه به هنا فيكون المعنى : أفمن غر فعمل القبيح فاعتقده حسنا لأن اللّه أضله بسبب أن اللّه هو المتصرف في القلوب كمن بصره اللّه بالحقائق ؟ ولما كان الجواب : لا ، ليس هما سواء سبب عنه قوله : فلا تَذْهَبْ أي بالموت أو ما يقرب منه نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ أي بسبب ما هم فيه من العمى عن الجليات حَسَراتٍ أي لأجل حسراتك المترادفة لأجل إعراضهم ، جمع حسرة وهي شدة الحزن على ما فات من الأمر . ولما كان كأنه قيل : إنهم يؤذون أولياءك فيشتد أذاهم ، وكان علم الولي القادر بما يعمل عدوه كافيا في النصرة ، قال : إِنَّ اللَّهَ أي المحيط بجميع أوصاف الكمال عَلِيمٌ أي بالغ العلم ، وأكده تنبيها على أن المقام صعب ، من لم يثبت نفسه بغاية جهده زل لطول إملائه تعالى لهم وحلمه عنهم بِما يَصْنَعُونَ * أي مما مرنوا عليه وانطبعوا فيه من ذلك حتى صار لهم خلقا يبعد كل البعد انفكاكهم عنه . ولما أخبر تعالى أنه لا بد من إيجاد ما وعد به من البعث وغيره ، وحذر كل التحذير من التهاون بأمره ، وأنكر التسوية بين المصدق به والمكذب ، وكان السبب في الضلال المميت للقلوب الهوى الذي يغشى سماء العقل ويعلوه بسحابه المظلم فيحول بينه وبين النفوذ ، وكان السبب في السحاب المغطي لسماء الأرض المحيي لميت الحبوب الهوى ، وكان الإتيان به في وقت دون آخر دالّا على القدرة بالاختيار ، قال عاطفا على جملة إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ المبني على النظر ، وهو الإخراج من العدم مبينا لقدرته على ما وعد به : وَاللَّهُ أي الذي له صفات الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها الَّذِي ولما كان المراد الإيجاد من العدم ، عبر بالماضي مسندا إليه لأنه الفاعل الحقيقي فقال : أَرْسَلَ الرِّياحَ أي أوجدها من العدم مضطربة فيها ، أهلية الاضطراب والسير ليصرفها كيف شاء لا ثابتة كالأرض ، وأسكنها ما بين الخافقين لصلاح مكان الأرض .